يهتم منتدانا بالادب والشعر ويساعد على تنمية المواهب ودعمها
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 المومياء سامي دكاكي من المغرب

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin
avatar

انثى
عدد الرسائل : 102
العمر : 27
نقاط : 2
تاريخ التسجيل : 02/07/2007

مُساهمةموضوع: المومياء سامي دكاكي من المغرب   الخميس أغسطس 23, 2007 5:46 pm

أخذ يحفر، يحفر عميقًا ودون كلل، فقد أخبر أن الحفر رياضة، روحية ممتعة، خصوصًا حين تكون في «الداخل».
كان كلما توغل في النبش، صادفت أظفاره فكرة مدفونة، أو ذاكرة مغمورة تحت أكوام من الأحجار والتراب.
هنا، قطع أثريّة للطفولة الضائعة بين سنوات الجوع وسنوات الحرب، هناك، بقايا شباب اخترمته لوثة السياسة والمبادئ، وضعضعته برودة السجون القاتلة، في جانب آخر، آثار لشيخوخة غضنّتها المنافي ووحشة الديار، فصارت مثل شمس متهدّلة في سماء استوائية، لاهي تبعث الدفء وتثبت حرارتها، ولا هي تكسف إيذانا بانتهاء زمنها.
كان لايزال يقضم جدر «المقبرة الداخلية» بيديه المعزولتين والمعروقتين، حين تناهى إلى قلبه ضوء بعيد. ارتفعت معنوياته، ونشط في الحفر أكثر فأكثر، وكان كلما نفذ أعمق، ازداد بصيص الضوء شدة ولمعانا، لم يستطع التفكير في شيء آخر غير مصدر الضوء العميق ذاك، نسي طفولته، وشبابه، وشيخوخته، وعذابات السنين التي يحملها جسده المنكمش، والمنطفئ مثل نجمة في الماء.
راح يكدّ في ارتياد المجهول صوب «الضوء»، غير مبال بيديه المدمّتين من أثر الحفر الحثيث، قيمة النجاح ليست فيما حققه الإنسان، بل فيما تجشمه من أجل تحقيق هذا النجاح - قال لنفسه -
أخيرًا، وقفت يداه الصّبورتان عند منبع الضوء، كانت غرفة ملوكية مهيبة، تتلألأ بأنوار الذهب، والأحجار الكريمة النادرة.
غريب - قال - كيف تكون هذه التحفة القريبة من الآلهة بداخلي، بينما عشت عمري كله أبحث عن «النور» خارجي، ما أتفهك أيها العالم الخسران!
راح يتفقد الغرفة مذهولاً، وقف على صندوق يتوسطها، كان موشى بالذهب الخالص، ولا تبدو عليه شواهد القِدم أو البلى، اقترب منه بحذر وخيفة، فتحه على مهل، فوقع بصره مصدومًا على «مومياء» مسجاة بكامل ملامحها على هيئة حكيمة، لم تنل منها عوابث الزمن، حتى كأنها تبدو ضاجّة بالحياة والكلام. تفكر كثيرًا في هذه الهبة التي قدمها له «الموت» من الأعماق بسخاء، ولو أنه كان يأمل في العثور على كنز يفوق خياله المكدود، نقل بصره بين الذهب والأحجار الكريمة الملقاة في الغرفة، وبين المومياء المسجاة في الصندوق، تنازعه جدال روحي/مادي رهيب. فجأة هتف: لن آخذ شيئًا لم أتعب في تحصيله، سأحتفظ بهذه للتأمّل والذاكرة فقط، ثم حمل «المومياء» وخرج من «أعماقه». في الخارج تمامًا، جاء بصره على جسده، فانتفض مذعورًا، لقد أصبح شابًا يافعًا، رطب العود والفؤاد، خفيف الحركة والذهن، لكنه ليس الشاب الذي «كانه» في الماضي.
إليّ أيتها الحياة، الآن أيقنت أنك ما نفكر فيه ونصنعه، وليس ما نقبل به ونعتقده. أراد أن يحمل «المومياء» من جديد، ويستأنف المسير، فلم يجد بجانبه غير جلد مترهل لرجل عجوز، كان لا يعيش إلا على «فكرة واحدة»، ولا يجرّب سوى أن «يموت في الحياة».

_________________
الحزن لايحتاج الى معطف مضاد للمطر .إنه هطولنا السري الدائم.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://imane.ahlamontada.com
 
المومياء سامي دكاكي من المغرب
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
سحر الكلمات :: المكتبة-
انتقل الى: