يهتم منتدانا بالادب والشعر ويساعد على تنمية المواهب ودعمها
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 أثَرٌ مِنْ هُنَاك ـ ناجي البدوي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin
avatar

انثى
عدد الرسائل : 102
العمر : 27
نقاط : 2
تاريخ التسجيل : 02/07/2007

مُساهمةموضوع: أثَرٌ مِنْ هُنَاك ـ ناجي البدوي   الإثنين يوليو 09, 2007 4:38 pm

عربته الخشبية تتدحرج أمامه على طول الطريق المفروق فوق فروة الرزق المشعثة، فيتقدم إلى الجهة المجهولة _حسب ظَنِّ قدميه المفلطحتين داخل مركوبه العجيب_ يتقدم بأعبائه الرقيقة التي تنـزلق على خيال جسده النحيل في شكل عَرَقٍ لزج. أزقة سيقطعها صُحْبَةَ عربته الخشبية،



شوارع أسيانة ربَّما، غير أنه يدفع برفقٍ عربته ذات الخشبات الملعونات، اللائي يتعاركن كل صباح والمسامير المتعبة، التي تثبِّتها إلى
أرواح بعضها البعض. يهوي بحجر صلد على تلك المسامير المتوجعة، قاصداً تثبيت تلك الخشبات القلقات إلى بعضها البعض فتتلوى المسامير تحت هجمات الحجر الضاري على رؤوسها التي تتطاير غيبوباتها على الأطراف القريبة من ذاكرة الخشب
المتلذذ. ثلاثة مسامير يا (عجيبة) كأنما هي مسمار واحد في هذيانها ودعابتها والنعوت التي تنـزلق من عيني (معروف) كلما وقعتا عليها، سابَّاً دعابتها وهذيانها وأرواحها "العِيَالاتِيَّة" . "تُوْتْ تُتْـتُتُووووتْ". يُخْرِج من بوقه الأليم أصواتاً ما، يستدعي بها طفولة السماء النائمة فوق أنين ظهيرته فيَخْرُجُ أطفال كثيرون من هناك وهنا، راكضين بألسنتهم التي تتلذذ بـ"آيسكريم"ـه البلدي. فقط يلمحونه زاحفاً من هنااااك، خلف عربته عند سرة الشارع فيركضون ناحيته غير مكترثين بخيوط المخاط التي تسيل من أنوفهم ذات الذباب المتطاير. ثلاث عجلات حديدية تَصِرُّ كلما دفع عربته الكسولة من مقبضيها الذين غَيَّرَ عَرَقُه لونَهما الخشبيّ إلى لون آخر يشبه نفسه الهينة. كل الأشياء خارج تعريف منالاته. كلها أُخْتُ الصعوبة، إلا نفسه التي تتطاير حول عَمَاه كلما جرَّ أو جرَّته عربته ذات الخشبات القلقات إلى زقاق صغير يَتَثَعْبَنُ في نهايته حظُّه اللئيم.
(2)
كان ثلاثتهم يجلسون على ثلاثة حجارة عند فَمِ الصباح ذي الرائحة السهرانة _على مقربة من "قهوة العمال" بسوق "أم دَفَسُو"_ عندما دخل بقايا نعاسهم المُرَّ (معروف) بعربته الخشبية وبوقه وثيابه في حضرة الصديري الأزرق ذاته وطاقيته الحمراء، فتبادل كلٌّ منهم نظرة متذكِّرةً:
_( ما تْحِنِّي!... حِنِّي يااااخ!).
_( صاحْبَك!).
_( أيوه.. أيوه).
_( إنتو طوَّالي في الحركات دي؟).
تبادلوا نخب كلاماتهم اليومية لاعنين الذكريات أو ما يشبهها ومرارتها أو ما يشبه رائحة مرارتها المقدسة؛ لأن العمر يستطيل بعوده النحيل، فيما تتساقط الأيام عند فم الذكريات النهم.
صرير العجلات الحديدية الثلاث أقْلَق استرخاء العمال الموزَّعين على جانبي ذلك الشارع الذي تتوسطه "قهوة العمال" بروَّادها وضلالاتهم العجيبة، فاْسْتَلَّ أيٌّ منهم عطفاً صغيراً من روحه وقذفوا به (معروف) الذي غاب في أثير سلواناته الهينة، ومضى جارَّاً عربته من حنين إلى حنين آخر.
_( ما تْحِنِّي؛ حِنِّي ياااخ!).
كان (معروف) يتمتم بعض كلماته المعتادة، ذائباً داخل صرير عربته ذات الخشبات المريرة، فيما يُسْمَعُ بين صَرَّةٍ وأخرى شخص ما يتمتم داخله: (ما تْحِنِّي؛ حِنِّي ياااخ!). وعلى ما أظن، كان ثلاثتهم ذات غيبوبة مبلَّلين بالمياه على شاطئ سواكن القديمة، تترقرق في حَوَافِّ أرواحهم التي تشبه حوافَّ روح (معروف) حُبَيْبَاتُ ملحٍ مجنون، فيما يلهث كُلٌّ منهم داخل حكاية (معروف). [صَاحْ] ثلاثة رجال خرجوا من هالة المياه إلى هالة أخرى خلف خيال (معروف) المتطاير، هنا بالقرب من عربته بمساميرها المتورمة يا (عجيبة).
(3)
_( بِكَـمْ!؟).
_( بقرش؛ بقرشين؛ بلاش).
_( ........).
_( العجيب؛ العجيب).
كان يقف بعربته ذات المقبضين المتعرقين بالقرب من مدرسة صغيرة، عبارة عن بضعة دواليب، تتربع كالهذيان على أطراف مساحة مستوية، هنا بـ"أُمْبَدَّة". ينـزلق ناحيته نظرُ التلاميذ خارج مقرراتهم المدرسية، متناسين نظرات الأساتذة الحادة: (هييييْ ي)، فيما ينتصب خيال سوط طويل من شجر الحناء الذي سرعان ما ينهال على أبدانهم المرعوبة.
_( العجييب؛ العجيب).
يقف هنا متربصاً بهرولة التلاميذ الرحيمة. الحياة كلها مُغَافَلة. لذا ها هو يقف في مكانه مهمهماً: (حِنِّي، ما تْحِنِّي). فيما قبضتاه ترتفعان وتنخفضان هكذا فوق مشاغبة الرجاء حسب ظنِّه.
(4)
صَبِيَّاً كنتُ يا (عجيبة)، أذهب من مدينة إلى أخرى، خلف رايات السراب المستسلم. كم أحِبُّ السفر في المكان؛ لأنني كلما تذكَّرْتُ نفسي داهَمَتْني رائحة المكان غير المروض في ذاكرتي، فألْعَنُ المكان الذي تدوسُه قَدَماي المفلطَحَتان، ومن ثَمَّ أشُدُّ أنفاسي جِهَةَ مكانٍ آخر، خلف الأفق المكسور. بعد ذلك كانت سَوَاكِـنِيَ القديمة _بشواطئها القديمة_ هي الحيلة التي أبقَتْني حيَّاً في ما تَنَاقَصَ من عمري، حتى الساعة التي كنت أذرع فيها خيالي أمام أنفاس الشاطئ المتعب. كَمْ كنتُ متعباً يا (عجيبة). حتى أنني فيما أقف قابضاً خصريَّ النحيلين بكلتا يدي القديمتين؛ كنتُ أنزلق داخل نفسي وسُقُوطِها فوق رمال العبْء. وجودٌ عبءٌ يا (عجيبة). خُذِي وجوديَ العبءَ سأكُونُكِ منسوباً إليك. خذيني من نفسي التي أعطانيها الوقتُ بلا دلالات. ها أنظر مِن هنا داعكاً وَلَعَ الهُنَاك. ذاتَ وَهْنٍ يا (عجيبة) رأيتُهم متكومين على كتف الشاطئ المكسور؛ شاطئ سواكن الذي كانت روحي تتكسر فوقه موجةً موجة. مكوَّمون هنا، تنـزُّ من أجسادهم مغامرةٌ ما تبادلوها فأرهقتهم على ما أظن بالفشل. يا (عجيبة) يَصِلُ واحِدُنا قرب غيبوبته _أقصد ما يرجوه من حلم_ لكنه يطيش في النهاية عند بياضها ولا يَصل. مفزوعاً قَبَضْتُ على نواياهم اللينة وأخذتها من ثَمَّ إلى منـزلي الصغير، داخل عين السَّوَاكنيات، أقصد الجدران التي يتوسطها منـزلي. ثلاثتهم في الغيبوبة الواحدة التي قَذَفَتْهُم جهةَ غيبوبتي يا (عجيبة). كنتُ صبياً عندما أنقذتُهم بأعمارهم التي لوَّثتها الضفاف بسَرَابَاتٍ حليقةٍ وطَيْر. ما تَعْرِفْ كيف!. رأى كُلٌّ مِنَّا النَّوَالَ المغروسَ فوق رابية يقطعها الأمل عارياً. المكان المعقول حيث تنام النوايا ويسقط العبء في ولادات جديدة. سرعان ما انتقلنا من مكانٍ فوق معقول المياه إلى مكانٍ تحت لسان هذه الصخور النائمة.
(5)
رأيتِهِ يا (عجيبة)، شارد الذهن في نعاس أشيائه العريانة، ذلك اليوم، الذي دَاهَمَ فيه بصيرةَ بوَّابَتِكِ وأنتِ بالداخل. رأيتِهِ يوبِّخُ عمره على انفلاتِه هكذا، فيما شيباته الثلاثُ يتثاءبنَ على أطراف شاربه الفظ. قَفَزْتِ مهلوعةً في مسائكِ ذاك صائحةً: (أدخُلوا!... مالَك يا معروف؟... حَصَلْ شنو؟... مالو يا جماعة؟).
لم يكن ثمة أحد يستطيع إجابة سيل استفهاماتك المندلق من فمك؛ فم الألفة الأليم؛ لأن أفواهَ أولئك الرجال الثلاثة كانت تمضغ جملة واحدة: (برَّاحة، شويَّة شوية)؛ ولأنكِ انشغلتِ بحالِهِ العجيبة. يااااا (عجيبة) الدمع. دمعكِ يا (عجيبة) بلَّلَ عنقه عندما وَقَعْتِ على صدره غير مباليةٍ بالرجال الثلاثة وهُم يدحرجون عربته الخشبية بِأساها الغريب.
(6)
كان (معروف) يستلقي على سريرٍ حديديّ، في مساء نشوان من مساءات عمره القصير. عَرَبَتُه في مكانها منذ أن اصطحبه الرجال الثلاثة في ذلك اليوم. عربته أصبحَتْ مكاناً آمناً لدواجن (عجيبة) الثلاثة عشر. إثنا عشرة دجاجة ودِيكٌ فرحان بِعُرْفِهِ الأحمَرِ المتدلِّي على صَبَاحِ ذكورتِه. قطَّةٌ بعيون تثقب الليل من أطرافه القريبة من سهاد (معروف) الطويل.
_( أخْ خْ خْ... الوَرَق... الوَرَق).
كنتُ بِحاجَةٍ إلى ورق أبيض. لا أعرف إن كنت أريد الورق أم بياضه الهاذي. فقط، ورق أبيض، كي أضع حكايتي بالقرب من أورامها. تكون الحكاية داخلنا، لما نكون داخلها. لذا أريد ها البياض الذي يحكُّ منخرَيَّ الكبيرين فأعطس. كان ثمة ليل عجيب ذلك اليوم الذي وَضَعْتُ فيه قلمي المحموم على طرف سريري وذهبتُ من ثَمَّ إلى دكان قريب من ذاكرتي، أقصد منـزلي ببوَّابته الحليقة. لم يكن ثمة ضوء سوى ذلك البياض الذي يتصاعد من "بَكِتَّة" الوَرَق داخل الدكان قرب منزلي. عندما اقتربتُ من ذلك الدكان ذي البياض المتصاعد، رأيتُهم يا (عجيبة)؛ الرجال الثلاثة بهالاتهم ذاتها، التي أرهقتني طيلة تلك الليالي، فوقعتُ بالقرب من نعاسهم وبدأت أهذي:
_( حِنِّي؛ ما تْحِنِّي؟).

أمبدَّة
أغسطس 2006

ناجي البدوي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://imane.ahlamontada.com
 
أثَرٌ مِنْ هُنَاك ـ ناجي البدوي
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
سحر الكلمات :: الشعر ولادب-
انتقل الى: